سيد محمد طنطاوي
329
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فأنتم الذين أبيتم إلا الخروج من المدينة مع أن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أشار عليكم بالبقاء فيها . وأنتم الذين خالفتم وصيته بترككم أماكنكم التي حددها لكم وأمركم بالثبات فيها . وأنتم الذين تطلعت أنفسكم إلى الغنائم فاشتغلتم بها وتركتم النصيحة ، وأنتم الذين تفرقتم عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في ساعة الشدة والعسرة فلهذه المخالفات التي نبعت من أنفسكم أصابكم ما أصابكم في أحد ، وكان الأولى بكم أن تعرفوا ذلك وأن تعتبروا وأن تقلعوا عن هذا القول التي لا يليق بالعقلاء ، إذ العاقل هو الذي يحاسب نفسه عندما يفاجئه المكروه ويعمل على تدارك أخطائه ويقبل على حاضره ومستقبله بثبات وصبر مستفيدا بماضيه ومتعظا بما حدث له فيه . وما أحوج الناس في كل زمان ومكان إلى الأخذ بهذا الدرس فإن كثيرا منهم يقصرون في حق اللَّه وفي حق أنفسهم وفي حق غيرهم ، ولا يباشرون الأسباب التي شرعها اللَّه للوصول إلى النصر . . بل يبنون حياتهم على الغرور والإهمال ، فإذا ما أصابتهم الهزيمة مسحوا عيوبهم في القضاء والقدر ، أو في غيرهم من الناس ، أو شهدوا لهول ما أصابهم - بسبب تقصيرهم - ثم قالوا : أنى هذا ؟ وما دروا لجلهلهم وغرورهم - أن اللَّه - تعالى - قد جعل لكل شيء سببا . فمن باشر أسباب النجاح وصل إليها بإذن اللَّه ومن أعرض عنها حرمه اللَّه - تعالى - من عونه ورعايته . ولقد أكد - سبحانه قدرته على كل شيء فقال : * ( إِنَّ اللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * أي إن اللَّه تعالى - قدرته فوق كل شيء فهو القدير على نصركم وعلى خذلانكم وبما أنكم قد خالفتم نبيكم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقد حرمكم اللَّه نصره ، وقرر لكم الخذلان ، حتى تعتبروا ولا تعودوا إلى ما حدث من بعضكم في غزوة أحد ، ولتذكروا دائما قوله - تعالى - وما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ويَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ « 1 » . ثم أكد - سبحانه - عموم قدرته وإرادته فقال : * ( وما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّه ، ولِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ) * . أي : وما أصابكم - أيها المؤمنون - من قتل وجراح وآلام يوم التقى جمعكم وجمع أعدائكم في أحد ، * ( فَبِإِذْنِ اللَّه ) * أي فبإرادته وعلمه ، إذ ما من شيء يقع في هذا الكون إلا بتقدير اللَّه وعلمه ، فعليكم أن تستسلموا لإرادة اللَّه ، وأن تعودوا إلى أنفسكم فتهذبوها وتروضوها على تقوى اللَّه وطاعته ، حتى تكونوا أهلا لنصرته وعونه . و « ما » موصولة بمعنى الذي في محل رفع بالابتداء ، وجملة * ( أَصابَكُمْ ) * صلة الموصول ، وقوله
--> ( 1 ) سورة الشورى الآية 30